ابو القاسم عبد الكريم القشيري

461

الرسالة القشيرية

الحسين الأنصاري يقول : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وشخص قائم تحت العرش فيقول الحق سبحانه : يا ملائكتي ، من هذا ؟ فقالوا : اللّه أعلم . فقال . هذا معروف الكرخي سكر من حبى فلا يفيق إلا بلقائى . وفي بعض الحكايات في مثل هذا المنام أنه قيل : هذا معروف الكرخي خرج من الدنيا مشتاقا إلى اللّه ، فأباح اللّه عز وجل له النظر إليه . وقال فارس : قلوب المشتاقين منورة بنور اللّه تعالى ، فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض ، فيعرضهم اللّه على الملائكة فيقول : هؤلاء المشتاقون إلى . . . أشهدكم أنى إليهم أشوق . . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أسألك الشوق إلى لقائك » قال : كان الشوق مائة جزء ، تسعة وتسعون له ، وجزء متفرق في الناس ، فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضا ، فغار أن يكون شظية « 1 » من الشوق لغيره . وقيل : شوق أهل القرب أتم من شوق المحجوبين ؛ ولهذا قيل : وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام وقيل : إن المشتاقين يتحسون « 2 » حلاوة الموت عند وروده ؛ لما قد كشف لهم من روح « 3 » أوصول أحلى من الشهد . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد اللّه بن علي يقول : سمعت جعفر يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى % يقول : الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق « 4 » فيه ، وإذا تحقق في الشوق لها عن كل شئ يشغله عمن يشتاق إليه . وقال أبو عثمان الحميري في قوله تعالى : « فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ » : « 5 » هذا تعزية للمشتاقين « 6 » ، معناه : أنى أعلم أن اشتياقكم إلى غالب ، وأنا أجلت للقائكم أجلا ، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه .

--> ( 1 ) الشظية : القطعة والفلقة . ( 2 ) التحسى : الشرب . ( 3 ) اى راحة . ( 4 ) أي تمكن . ( 5 ) من آية 5 سورة العنكبوت . ( 6 ) وفي نسخة « تعريض » : أي قصد به تعليلهم وراحتهم .